الشيخ البهائي العاملي
89
العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )
كتقديره مستترا « 1 » . وأمّا تأخير العامل ؛ فلما فيه من تقديم ما هو الحقيق بالتعظيم ؛ ولاقتضائه قصر الاستعانة والتبرّك على اسمه - جلّ وعلا « 2 » - قصرا حقيقيّا أو إضافيّا قلبيّا ؛ ردّا على المشركين في قولهم : « باسم اللات والعزّى » « 3 » ؛ وليوافق تقديم الاسم الكريم على ما تلاه تقدّم مسمّاه على ما سواه . وكان من حقّ الباء أن تفتح ؛ وفاقا لسائر أخواتها من التاء والكاف والواو والفاء وغيرها من حروف المعاني « 4 » التي لمّا كثر الابتداء بها - وقد منع إفرادها ورفضهم الابتداء بالساكن من سكونها الذي هو الأصل في المبنيّات - عوّضوها عنه بالفتحة التي هي أخته في الخفّة ، وإنّما كسروها ؛ لانفرادها من بينهنّ بلزوم الحرفيّة والجرّ ، فحرّكوها بالكسرة المناسبة للسكون الذي هو حلية الحروف ، مناسبة القلّة للعدم « 5 » ؛ ولتكون حركتها موافقة لأثرها ، كما كسروا لام الأمر ولام الجرّ داخلة على مظهر ؛ لتمتاز عن لام الابتداء فيما لا يظهر فيه أثر العامل كالمبنيّ والتقديريّ والموقوف عليه ، ولم يخشوا التباس اللّامين الأوّلين ؛ لتمايز مدخوليهما بالفعليّة والاسميّة ، ولا الأخيرين حال الدخول على مضمر ؛ للتمايز بالاتّصال والانفصال . وأمّا كسر الجارّة ل « ياء » المتكلّم ؛ فللتناسب ، كما أنّ فتح لام المستغاث للتميّز عن المستغاث له ؛ مع أنّ وقوعه موقع كاف « أدعوك » قد صيّره في حكم المضمر .
--> ( 1 ) . في هامش « ع » و « ش » و « ق » : « أي إنّ تقدير قراءتي يقتضي تقدير فاعل بارز وهو ياء المتكلّم ، وتقدير « أقرأ » إنّما يقتضي تقديره مستترا استتارا واجبا ؛ إذ استتار الفاعل في المضارع المبدوء بالهمزة واجب » . ( منه رحمه اللّه ) . ( 2 ) . في « ق » : « جلّ شأنه » . ( 3 ) . حكاه - عنهم - الزمخشري في « الكشّاف » ج 1 ، ص 29 ، حيث قال : « لأنّهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم ، فيقولون : باسم اللات ، باسم العزّى ، فوجب أن يقصد الموحّد معنى اختصاص اسم الله - عزّ وجلّ - بالابتداء » . ( 4 ) . قال السيّد الشريف الجرجاني : « حروف المعاني : ما يقابل الأسماء والأفعال ؛ فإنّها موضوعة للمعاني ، وأمّا الألفاظ المبسوطة التي يتركّب منها الكلم فتسمّى حروف المباني » . لاحظ « حاشيته على الكشّاف » ج 1 ، ص 32 . ( 5 ) . قال السيّد الشريف الجرجاني : « والكسر بمنزلة العدم ؛ لقلّته ؛ إذ لا يوجد في الأفعال ولا في غير المنصرف من الأسماء ولا في الحروف إلّا على الندرة » . لاحظ « حاشيته على الكشّاف » ج 1 ، ص 33 .